خلال ورشة حول مسودة دراسة أعدها "مسارات"

غزة: شخصيات فلسطينية تناقش معضلات التغيير

في النظام السياسي وآفاق تبلور تيارات جديدة
54
    

غزة – خاص: نظّم المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات) ورشة حوارية في مقره بمدينة غزة، بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن السياسي والوطني، إلى جانب مشاركين ومشاركات عبر تقنية الاتصال المرئي زووم، لمناقشة المسودة الأولى لدراسة بعنوان "معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تبلور تيارات جديدة"، وذلك ضمن مشروع ينفذه المركز بعنوان: استعادة الفاعلية الفلسطينية من خلال المجتمع المدني والمشاركة السياسية والتماسك الاجتماعي – "روافد".

وفي مستهل الورشة، رحّب مستشار مركز مسارات في غزة د. عماد أبو رحمة بالمشاركين والمشاركات، موضحًا أن اللقاء يأتي امتدادًا لسلسلة من الورش الحوارية التي نظمها المركز في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي شكّلت مخرجاتها إحدى المدخلات الأساسية للدراسة. وأكد أن المسودة الأولى، التي أعدها فريق من الباحثات والباحثين من مختلف التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48 والشتات، ما تزال مفتوحة للنقد والإضافة والتعديل، بما يتيح تطويرها بالاستناد إلى آراء وخبرات أوسع شريحة ممكنة من الباحثين والمختصين ومختلف قطاعات المجتمع الفلسطيني.

وأدار الورشة الباحث رامي مراد، الذي رحّب بالمشاركين والمشاركات، موضحًا أن الهدف من اللقاء هو الاستماع إلى الملاحظات والآراء النقدية حول المسودة واختبار فرضياتها ومقارباتها، بما يسهم في تطويرها والوصول إلى صيغة أكثر نضجًا وتماسكًا. وشدد مراد على أن النقاش لا يستهدف الوصول إلى توافق مسبق حول مفهوم "التيار الثالث"، أو تبني استنتاجات جاهزة، وإنما فتح المجال أمام مقاربات متعددة ونقد بنّاء يساعد فريق البحث على مراجعة الدراسة وإثرائها.

وقدم د. غسان أبو حطب، عضو الفريق البحثي الذي أعد مسودة الدراسة بإشراف د. حسن أيوب، عرضًا لأبرز منطلقاتها ومحاورها، موضحًا أن الدراسة تنطلق من مفارقة تتمثل في تصاعد المشروع الاستعماري الاستيطاني والإحلالي والإبادي إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع أزمة عميقة تعانيها الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤسسات النظام السياسي. وتشخّص الدراسة هذه الأزمة باعتبارها بنيوية وشاملة، تشمل تراجع فعالية مؤسسات منظمة التحرير، واستمرار الانقسام السياسي، وتعثر محاولات المصالحة، وضعف المشاركة الشعبية، وتراجع انخراط الشباب في الحياة السياسية، وانخفاض الثقة بالأحزاب والتنظيمات.

وأضاف: في هذا السياق، تبحث الدراسة أسباب تعثر نشوء تيارات فكرية وسياسية جديدة، وإمكانية تشكل "تيار ثالث" بوصفه مشروعًا سياسيًا مستقلًا، لا مجرد مساحة وسطية بين القوى القائمة، يمتلك رؤية وبرنامجًا للتحرر الوطني والإصلاح الديمقراطي، وقاعدة اجتماعية وقدرة على استعادة الثقة الشعبية.

كما استعرض أبو حطب المنهجية التي اتبعها فريق البحث، والتي جمعت بين مراجعة الأدبيات والمقاربات النظرية واستطلاعات الرأي، واعتماد مقاربة تشاركية من خلال إشراك باحثين وأكاديميين ومهنيين وقطاعات مختلفة من المجتمع الفلسطيني في سلسلة من الورش والحوارات التي أسهمت في تطوير فصول الدراسة.

وأثار مفهوم "التيار الثالث" نقاشًا واسعًا بين المشاركين والمشاركات، الذين تباينت مداخلاتهم بين من رأى فيه مدخلًا ممكنًا لتجديد الحياة السياسية، ومن شكك في مدى ملاءمة المصطلح للواقع الفلسطيني الراهن. فقد أكد عدد من المشاركين أن أي تيار جديد لا يمكن أن ينجح ما لم يكن مستقلًا سياسيًا وتنظيميًا عن القوى القائمة، وعابرًا للفصائل والجغرافيا، وقادرًا على استقطاب قطاعات اجتماعية واسعة، لا سيما الشباب. وشددوا على ضرورة أن يمتلك برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا واضحًا، وأن يستند إلى قاعدة مجتمعية حقيقية، بدل أن يكون مشروعًا نخبويًا أو ترتيبًا فوقيًا.

في المقابل، رأى مشاركون أن مصطلح "التيار الثالث" قد لا يعكس التحولات التي طرأت على المشهد الفلسطيني، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر، إذ يفترض وجود قطبين سياسيين واضحين يمكن أن يتشكل بينهما طرف ثالث، وهو الأمر الذي لم يعد قائما كما كان الحال قبل حرب الإبادة، وفي ظل محاولات لتشكيل هياكل لإدارة قطاع غزة بعيدا عن حركة حماس والسلطة الفلسطينية والفصائل عموما. وطرحت في هذا السياق مقترحات لاستخدام مفاهيم من قبيل "تيار وطني جديد"، أو "إطار وطني تأسيسي"، يتجاوز الاصطفافات التقليدية ويستوعب مكونات سياسية ومجتمعية مختلفة.

وركز جانب آخر من النقاش على الشروط اللازمة لتحويل أي تيار أو إطار جديد من فكرة سياسية إلى قوة قادرة على إحداث تغيير فعلي.  وأكد المشاركون أهمية الانتخابات وتجديد الشرعيات باعتبارهما أدوات لإعادة بناء المؤسسات السياسية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير، مع الحفاظ عليها بوصفها الإطار الوطني الجامع للتمثيل الفلسطيني. كما دعوا إلى توسيع المشاركة الشعبية، وإتاحة مساحة أكبر للشباب والقوى المجتمعية، وربط أي مشروع للتغيير باحتياجات المجتمع وأولوياته. وأشار بعض المشاركين إلى أن الدراسة، رغم أهمية تشخيصها للأزمة البنيوية، يمكن أن تعزز بصورة أكبر جانب الخيارات والحلول العملية، بما يوضح مسارات الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء مشروع واقعي للتغيير والإصلاح السياسي.

واتفق المشاركون والمشاركات، رغم تباين مقارباتهم بشأن التسمية وشكل التيار المحتمل، على أن التحولات التي شهدها الواقع الفلسطيني تستدعي مراجعة عميقة لأدوات العمل الوطني ولطبيعة النظام السياسي القائم.  وأكدوا أن استمرار التعامل مع المتغيرات الجديدة بالأدوات والتصورات ذاتها لم يعد كافيًا، وأن تجديد الشرعيات والمؤسسات، وتوسيع المشاركة الشعبية، واستعادة ثقة المجتمع، وبناء برنامج وطني جامع، تمثل عناصر أساسية لأي مسار جاد لاستعادة الفاعلية الفلسطينية.

واختُتمت الورشة بالتأكيد على أهمية مواصلة النقاش حول الدراسة، وإدماج الملاحظات والمقترحات التي طُرحت في تطوير مسودتها، تمهيدًا للوصول إلى دراسة أكثر عمقًا وقدرة على استكشاف إمكانات تجديد الحياة السياسية الفلسطينية.

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.